أبو الليث السمرقندي
251
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
المشركون ، وحملوا حملة واحدة ، فصار المسلمون ثلاثة أنواع : بعضهم جريح ، وبعضهم قتيل ، وبعضهم منهزم . وكان مصعب بن عمير يذبّ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حتى قتل دونه ، ثم قاد زياد بن السكن فقاتل بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حتى قتل ، وخلص الحرب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وقذف بالحجارة حتى وقع بشفتيه ، وأصيبت رباعيته ، وكلمت شفته ، وأدمي ساقه . فقال سفيان بن عيينة : لقد أصيب مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نحو ثلاثين رجلا ، كلهم جثوا بين يديه . أو قال : كلهم يتقدم بين يديه . ثم يقول : وجهي لوجهك الوفاء ، ونفسي لنفسك الفداء ، وعليك سلام اللّه غير مودع . فرجع الذي قتل مصعب بن عمير ، فظن أنه قتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . فقال للمشركين : قتلت محمدا . فصرخ صارخ : ألا إن محمدا قد قتل . ويقال : كان ذلك إبليس لعنه اللّه ، فولى المسلمون هاربين متحيّرين ، وجاء إبليس لعنه اللّه ونادى بأعلى صوته في المدينة : ألا إن محمدا قد قتل وأخذت النسوة في البكاء في البيوت ، فأقبل أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب ، وطلحة بن عبيد اللّه في رجال من المهاجرين والأنصار ، فقال : ما يجلسكم ؟ قالوا : قتل محمد . فقال : ما تصنعون بالحياة بعده ؟ موتوا كراما على ما مات عليه نبيّكم . ثم أقبل نحو العدو ، فقاتل حتى قتل . قال كعب بن مالك : فأوّل من كنت عرفت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من المسلمين ، عرفت عينيه من تحت المغفر تزهران ، فناديت بأعلى صوتي : يا معشر المسلمين أبشروا ، هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . فأشار إليّ أن اسكت . وقال أنس بن مالك : قد شجّ وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فجعل الدم يسيل على وجهه وهو يمسح الدم ويقول : « كيف يفلح قوم خضّبوا وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالدّم » وهو يدعوهم إلى ربهم . ويقال : إن أصحابه لما اجتمعوا قالوا : يا رسول اللّه ، لو دعوت اللّه على هؤلاء الذين صنعوا بك ؟ فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : « لم أبعث طعّانا ولا لعّانا ، ولكن بعثت داعيا ورحمة اللّهمّ اهد قومي فإنّهم لا يعلمون » فجاءه أبيّ بن خلف الجمحي ، فقال : يا محمد لا نجوت إن نجوت مني . فهمّ المسلمون بقتله ، فقال لهم . « دعوه » حتى دنا منه ، فتناول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة ورماه بها ، فخدشه في عنقه خدشا غير كبير ، وقد كان ذلك لقي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بمكة وقال : عندي فرس أعلفه كل يوم فرق ذرة ، أقتلك عليه . فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « بل أنا أقتلك إن شاء اللّه » . فلما خدشه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في عنقه رجع إلى قريش وهو يقول : قتلني محمد . فقالوا له : ما بك من طعن . فقال : بلى ، لقد قال لي أنا أقتلك ، واللّه لو بصق علي بعد تلك المقالة لقتلني . فمات قبل أن يصل إلى مكة في طريقها . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم واقفا عند أحد ، وقد اجتمع عليه بعض أصحابه ، فعلت عليه فرقة من قريش في الجبل فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لا ينبغي لهم أن يعلونا » . فأقبل عمر ورهط من